عبد الرحمن السهيلي

290

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

لبيد يسحر الرسول صلى الله عليه وسلم : وأما لبيد بن الأعصم ، الذي ذكره من يهود بني زريق ، وقال : هو الذي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه يعني من الأخذة ، وهي ضرب من السحر . في الخبر أن القاسم بن محمد ابن الحنفية ، كان مؤخذاً عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يدخله ، وكان لبيد هذا قد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل سحره في مشط ومشاطة . وروي : مشاقة بالقاف ، وهي مشاقة الكتان ، وجف طلعة ذكر ، هي فحال النخل ، وهو ذكاره . والجف : غلاف للطلعة ، ويكون لغيرها ، ويقال للجف القيقاء وتصنع منه آنية يقال لها : التلاتل جمع : تلتلة قاله أبو حنيفة ودفنه في بئر ذي أروان ، وأكثر أهل الحديث يقولون : ذروان تحت راعوفة البئر أو ارعوفتها ، وهي صخرة في أسفله يقف عليها المائح ، وهذا الحديث مشهور عند الناس ، ثابت عند أهل الحديث ، غير أني لم أجد في الكتب المشهورة : كم لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك السحر ، حتى شفي منه ، ثم وقعت على البيان في جامع معمر بن راشد . روى معمر عن الزهري ، قال : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنةً يخيل إليه أنه يفعل الفعل ، وهو لا يفعله ، وقد طعنت المعتزلة في هذا الحديث وطوائف من أهل البدع ، وقالوا : لا يجوز على الأنبياء أن يسحروا ، ولو جاز أن يسحروا ، لجاز أن يجنوا . ونزع بقوله عز وجل : « واللَّهُ يَعْصِمُكَ من الناسِ » المائدة والحديث ثابت خرجه أهل الصحيح ، ولا مطعن فيه من جهة النقل ، ولا من جهة العقل ، لأن العصمة إنما وجبت لهم في عقولهم وأديانهم ، وأما أبدانهم ، فإنهم يبتلون فيها ، ويخلص إليهم بالجراحة والضرب والسموم والقتل ، والأخذة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفن ، إنما كانت في بعض جوارحه دون بعض . أما قوله سبحانه : « واللَّهُ يَعْصِمُك من الناس » فإنه قد روي أنه كان يحرس في الغزو ، حتى نزلت هذه الآية ، فأمر حراسه أن ينصرفوا عنه ، وقال : لا حاجة لي بكم ، فقد عصمني الله من الناس ، أو كما قال . ما يؤخذ من الفقه في حديث السحر : وأما ما فيه من الفقه ، فإن عائشة قالت له : هلا تنشرت ، فقال : أما أنا فقد شفاني الله ، وأكره أن أثير على الناس شراً ، وهو حديث مشكل في ظاهره ، وإنما جاء الإشكال فيه من قبل الرواة ، فإنهم جعلوا جوابين لكلامين كلاماً وحداً ، وذلك أن عائشة قالت له أيضاً : هلا استخرجته ، أي : هلا استخرجت السحر من الجف والمشاطة ، حتى ينظر إليه ، فلذلك قال : وأكره أن أثير على الناس شراً ، قال ابن بطال : كره أن يخرجه . فيتعلم منه بعض الناس ، فذلك هو الشر الذي كرهه . قال المؤلف : ويجوز أن يكون الشر غير هذا ، وذلك أن الساحر كان من بني زريق ، فلو أظهر سحره للناس ، وأراهم إياه لأوشك أن يريد طائفة من المسلمين قتله ، ويتعصب له آخرون من عشيرته فيثور شر كما ثار في حديث الإفك من الشر ما سيأتي بيانه . وقول عائشة : هلا استخرجته هو في حديثين رواهما البخاري جميعاً ، وأما جوابه لها في حديث : هلا تنشرت : بقوله : أما أنا فقد شفاني الله ، وجوابه لها حين قالت : هلا استخرجته : بأن قال : أكره أن أثير على الناس شراً ، فلما جمع الراوي بين الجوابين في حديث واحد استغلق الكلام ، وإذا نظرت الأحاديث متفرقة تبينت ، وعلى هذا النحو شرح هذا الحديث ابن بطال . وأما الفقه الذي أشرنا إليه فهو إباحة النشرة من قول عائشة : هلا تنشرت ، ولم ينكر عليها قولها . وذكر البخاري عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن النشرة للذي يؤخذ عن أهله ، فقال : لا بأس لم ينه عن